القاضي عبد الجبار الهمذاني
49
المغني في أبواب التوحيد والعدل
) « 1 » هذا الحد أو بعضها . فالذي يقوله أبو علي رحمه اللّه إنه لا يمتنع أن يجوز أن يتعبد تعالى في الشرعيات بواجب ، إلا لأنه مصلحة . والّذي يدل عليه كلام أبى هاشم ، رحمه اللّه ، أنه لا يمتنع أن يوجب لهذا الوجه ، ولأنه ترك لمفسدة . وهذا الخلاف بينهما كالتابع لخلاف آخر ، وهو أنه رحمه اللّه يقول : لا يجوز في القبائح الشرعية أن تكون قبيحة لأنها مفسدة . وعند أبي هاشم رحمه اللّه لا يمتنع ذلك فيها . وكما يصح عنده أنه قد يقبح لكونه مفسدة ، جاز أن يحكم بوجوب تركه لأنه منع من المفسدة . ولما لم يجز ذلك عند أبي على رحمه اللّه ، منع من هذا الوجه . واعتل رحمه اللّه في المنع من ذلك بأنه لو كان شرب الخمر وغيرها من القبائح مفسدة لوجب فيمن علم تعالى من حاله أنه يقدم عليه أن يمنعه منه : لأن الواجب على المكلّف تعالى إزاحة علة المكلّف بفعل اللطف وبإزالة المفسدة . فلما صح أنه تعالى لم يمنع من ذلك علم أنه لم يقبح « 2 » لهذه العلة . يبين هذا أنه لو كان مفسدة في تكليف الغير ، لوجب عليه تعالى أن يمنع منه لئلا يقع ما هو مفسدة في تكليفه . وما هو فساد في تكليف غيره وفساد في تكليفه سواء في هذه القضية . فكيف يجب أن يمنع تعالى من أحدهما دون الآخر ؟ وعلى هذا الوجه قال رحمه اللّه : لو كان دعاء إبليس مفسدة لواحد من المكلفين ؛ لوجب عليه تعالى أن يمنع منه لكي يكون مزيحا لعلة ذلك المكلف . فقطع لهذا الوجه على أن كل من يفسد عند دعائه قد كان يفسد لو لم يكن الدعاء منه . ويبين ذلك أن المنع من المفسدة يجرى مجرى رفع الموانع عن المكلّف في وجوبه على المكلفين ، كما أن اللطف والمصلحة يجريان « 3 » مجرى التخلية والتمكين / في وجوبهما « 4 » على المكلف .
--> ( 1 ) مطموس . ( 2 ) أي شرب الخمر . ( 3 ) في الأصل : « يجرى » . ( 4 ) في الأصل : « وجوبه » .